الشريف المرتضى / علي بن أبي الفتح الإربلي / محمد بن دانيال

طيف الخيال للمرتضى 34

رسائل طيف الخيال في الجد والهزل

ومبين ما فيه . قال : إن قوله : « زار الخيال لها ، لا بل أزاركه » ليس بالجيد ، لأنه إذا أزاره الفكر فقد زار . فما وجه الاستدراك ؟ فكأنه أراد أن الخيال لم يعتمد الزيارة ، وإنما الفكر . ومثله قام زيد ، لا بل أئمته . وكأن قائل هذا يريد ما اعتمد زيد القيام ، بل أقمته أنا . وأقول : إن الآمدي عاب هذا البيت ثم اعتذر لقائله بما هو العذر الصحيح الذي يخرجه من أن يكون معيبا . فأي معنى لقوله إنه ليس بالجيد ؟ وقد فطن من غرضه لما فيه العذر ، وزوال العيب والقدح . فكأنه جمع بين الشيء وضده . وإنما يعيب بما ذكره من لم يفطن لما فطن له . وقوله « زار الخيال » إضافة الزيارة إلى الخيال . والظاهر من قول القائل « قام زيد » إضافة القيام إليه على سبيل الاختيار . فيجوز أن يستدرك قائل هذا القول على نفسه ، فيقول عقيب قوله « زار الخيال » ، بل أزاركه كذا وكذا . وعقيب قوله « قام زيد » ، بل أقامه فلان ، لأن استدراك صحيح ، واقع في موقعه . وليس لأحد أن يخالف في هذه الجملة ، ويدعي أن قول القائل « قام زيد » إنما يفيد حصوله على هذه الصفة ، ولا يفيد أنه باختياره وإيثاره ، دون حمل حامل ، وبعث باعث ؛ لأن هذا إذا سلم على ما فيه ، كان الاستدراك في موضعه أيضا ؛ لأنه إذا قال « زار الخيال » واحتمل هذا القول زيارة الاختيار ، من غير بعث باعث ، واحتمل وقوع الزيارة عن حمل حامل ، وفود قائد ، جاز أن يزيل هذا القائل الاحتمال والإبهام . فيقول : « لا بل أزاركه كذا وكذا » ، وهذا ما لا شبهة فيه . ثم قال الآمدي : « ويروى : إذا نام فكر الحلو لم ينم » ثم قال : ( لم يرد حقيقة النوم ، وإنما أراد لم يفتر ولم يسكن ، كما يقال فلان لا ينام عن هذا الأمر ، أي لا يفتر عنه ولا يقصّر ) . ويقول إن الرواية التي ذكرها في إبدال لفظة الخلق بالحلو لا بأس بها ، وإن كان لفظ الخلق أعم وأوكد في المعنى المقصود ، فإن الحلو ، يدخل في جملة الخلق ، ولا يدخل الخلق في معنى لفظ الحلو . والذي فسره في نفي النوم ، أنه إنما أراد الفتور والسكون ، ظاهر ، لا يشكل مثله فيفسر . ثم قال : ( وقوله « من آخر الليل » ولم يقل « ومن أول الليل » : يريد أنه لا ينام وأنه يسهره . وإنما يهوم « 1 » وفي آخر تهويما ، فيطرقه الخيال في ذلك

--> ( 1 ) قال ابن منظور في لسان العرب في مادة « هوم ، الحقوم ، والتّهوّم ، والتّهويم : النوم الخفيف قال الفرزدق يصف صائدا : عاري الأشاجع مشفوه أخو قنص * ما تطعم العيني نوما غير تهويم وهو الرجل إذا هز رأسه من النعاس . وهوّم القوم وتهوموا كذلك ، وقد هوّمنا . وقال أبو عبيدة : إذا كان النوم قليلا فهو التهويم . وفي حديث رقيقه : فبينا أنا نائمة أو مهومة . -